موريتانيا تعبر إلى مرحلة جديدة/د.أحمد سالم محمد فاضل

img

 

التقيت أحد الأصدقاء صدفة وجرى بيننا حديث مطول عن وضع البلد، بدأه صديقي بسؤال استنكاري عن رهاني على مشروع الإجماع الوطني الذي قادني إلى الانخراط في حملة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني.

قال لي الصديق” بنبرة فيها استنكار نجحتم، وها أنت في الحزب الحاكم.. وماذا بعد؟

قلت على البديهة إن هناك أشياء تجمل المشهد من وجهة نظري، وتضيف إليه المسحة الأخلاقية والبناء الاستيراتيجي للبلاد
ولقد ظهرت بالفعل أنه تمت إعادة تأسيس للحياة السياسية على أسس جديدة، وفتحت ورشات كبرى للإصلاح، وأعيد تعريف الدولة باعتبارها خادمة للمواطن، وبدأ تقويم الاختلالات، وأنتج هذا مسار تغيير عميق وشامل يرى ملامحه من يتأمل.

كانت إجاباتي مقتضبة، وموجزة، وقد رأيت أن أبسطها، وأوضحها، وأن أخرجها من حيز الشخصي والخاص إلى حيز العام، والمشترك، إنصافا للمرحلة، واحتراما للتاريخ.

وإليكم تفاصيل عناوين تلك الإجابة التي إن ضاق عنها وقت محدثي أتمنى أن تتسع لها صدوركم.

*مناخ سياسي تشاركي هادئ*

لا تخفى على المتابع بعين البصيرة أن ما شهدته الحياة السياسية في البلد خلال الأشهر الستة التي مضت منذ استلام الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني مقاليد الحكم، أكثر من أن يعبر عنه بمصطلح “تطبيع الحياة السياسية” أو “الانفتاح السياسي”، ومن يستخدمون مثل هذا المصطلحات يتجاهلون قصدا، أو يغفلون تاريخ العهود الاستثنائية التي خيمت على الحياة السياسية بأشكال متقطعة، ومختلفة منذ الاستقلال إلى اليوم.

إن تاريخ العلاقة بين السلطة في البلاد والقوى السياسية المعارضة اتسم بسمة واضحة تتراوح بين “الريبة” و”التخوين” وفي الحد الأدنى بمستوى قياسي من “انعدام الثقة” المتبادل.

وقد ترسخت هذه السمة في العقد الأخير، وتطور الأمر بينهما إلى “تناوش إعلامي” دائم ينزل أحيانا إلى مستويات قياسية من التنابز المتبادل.

ومن هذا المنطلق يمكن القول إن الحياة السياسية كانت تعيش “حالة استثنائية” لم ينزع فتيلها إلا مع مجيء الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، والمسار الذي سلكه في التعامل مع المختلف سياسيا على مستوى الخطاب أولا منذ انطلاقة الحملة الرئاسية، وكرسه ممارسة بالتعاطي المباشر مع الفاعلين السياسيين بعد تسلمه السلطة في فاتح أغسطس الماضي.

وفي هذا الإطار كانت إعادة إطلاق حزب الاتحاد من أجل الجمهورية على أسس جديدة، وكانت السمة التي غلبت في إعادة الإطلاق هي نفسها تحمل بصمة العهد الجديد من حيث حجم الانفتاح الذي شهده المؤتمر، والتشكيلات القيادة التي خرج بها.

قد تكون الطريقة التوافقية التي تم بها الأمر أقرب إلى الطرق التقليدية في إدارة الأحزاب في البلاد، وهي طريقة تحتاج كثيرا من التطوير، والتحسين، ولا شك أن ظروفا موضوعية دعت إلى سلوك هذا الطريق يضيق المقام عن تفصيلها، وستكون محل دراسة واعتبار لتفادي السلبيات والتأسيس على الإيجابيات في المستقبل.

إن التركيز على نتائج إعادة إطلاق حزب الاتحاد من أجل الجمهورية، التي ستكون منطلقا لإعادة تأسيسه أفضل من الانشغال بنقد الشكل، وهو الطريقة التي تمت بها العملية، فالأول نظر في الجوهر، والثاني نظر في الشكل.

لقد كان الحزب يعيش حالة غير طببعية وكان إخراجه منها يحتاج إجراءات استثنائية وفرت الوقت والجهد ووجهت البوصلة إلى مسار سياسي عملي حتى لا يستمر الجدل الشاغل عن الانطلاق في الأوراش الكبرى.

وكان ترتيب الأولويات يقتضي إعادة الإطلاق سريعا وأخذ الزمن اللازم لإنضاج المعالجة الاستراتيجية.

*- إنتاج مفهوم الدولة الخادمة*

عرفت الأشهر الستة الماضية على مستوى الدولة تحولا كبيرا في نظر أجهزة الدولة إلى نفسها، وإلى علاقتها بالمواطن؛ فمع انطلاق الجهاز التنفيذي ممثلا في الحكومة حرصت على إبراز صفتها الرئيسية وهي كونها جهازا يخدم المواطن العادي، وليست جهاز حكم لا أكثر.

وقد يكون هذا أساس كثير من النقد الذي يوجهه بعض الناقدين من غير المغرضين إلى الحكومة وأدائها. ولا بد أن أبدي أسفي شخصيا على عدم تقبل بعض النخب المعارضة لهذا التغير في المفهوم، والحرص على البحث عن حكومة تحكم بدل حكومة تخدم.

إن أساس العدل هو أن تكون الحكومة، وأجهزة الدولة خادمة للمواطن العادي، تسعى في حاجاته الأساسية وفق الإمكانات المتاحة لها، وهو ما تحاول الجهات الحكومية حاليا التوجه نحوه، ولا شك أنه سيكون في سيرها الكثير من الأخطاء، وسيكون في طريقها الكثير من العقبات.
وأعتقد أن على الحكومة بذل جهد مضاعف لتذليل هذه العقبة، وإقناع المواطن بهذا التغيير حتى يكون عونا على أداء المهمة، وشريكا في العملية التنموية، وليس متلقيا للقرارات والتوجهات.
إن النقلة الذهنية التي نحتاج إحداثها في عقول جميع المواطنين وقلوبهم، هي الخطوة الأولى لجعل نظرتهم إلى عمل الحكومة تتجه وجهتها الصحيحة. وستتغير مع هذه النظرة طريقة التعاطي مع المصالح، كما ستتغير النظرة إلى المسؤولين ليتحولوا من ساكني أبراج عاجية إلى أناس عاديين يميزهم عنا فقط أنهم يتحملون مسؤولية توفير الخدمات الأساسية لنا.

تضمنت إعادة التعريف هذه إعادة الاعتبار للصلاحيات وتحمل المسؤوليات، وبعد أن كنا أمام سلطات عليا منخرطة في تفاصيل الملفات وجزئياتها، وتتدخل في سير الأمور اليومية أصبحنا أمام سلطات تعطي التوجه الاستراتيجي وتدع للجهة التنفيذية المختصة كامل صلاحياتها في تنفيذ الإجراءات الكفيلة بتحقيق النتيجة العملية، وستكون السلطة العليا منحازة للمواطن في أي نقاش بينه وبين الجهة التنفيذية.
وقد كان من النتائج المباشرة لهذا التوجه إعادة الاعتبار للصلاحيات، والمسؤوليات، وهو ما ستثبت الأشهر والسنوات القادمة جدواه على البناء الوطني بأبعاده الاستراتيجية، والمؤسساتية، وسيلمس المواطن أثرها المستمر في حياته اليومية في الأمد المنظور، وسيحمي الدولة من كل أدواء الهشاشة التي تعاني منها الدول النامية في العقود الصعبة من مسيرة البناء.

*من تسيير الأزمات إلى حلها*

تميزت الأشهر التي مضت حتى الآن من المأمورية الأولى لرئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني بالتفاتة متأنية نقلت اتجاه عمل الجهاز الحكومي إلى معالجة جذور الأزمات وحلها حلا استراتيجيا بدل تسييرها. وهذا منحى جديد على الحكومات الموريتانية، وعلى عمل جهاز الدولة الموريتانية.
إن الاختيار بين تسيير الأزمات وحلها ليس خيارا ترفيا للحكومات التي تحمل على عاتقها مسؤولية البناء وإعادة التأسيس، لأن فكرة تسيير الأزمات تصلح أكثر للقوى الكبرى المتحكمة المستفيدة من الأزمات والصانعة لها.. ولا تصلح لحكومات وطنية مسؤوليتها الأولى أن تضع بلدانها على الطريق الصحيح حتى ولو أدى ذلك إلى فقدانها بعض الجاذبية، أو تقلص حضورها الذهني البراق في مرحلة من المراحل. فمن طبيعة الحلول الاستراتيجية أنها قليلة الشعبية، خاصة في بداياتها الأولى، ولكنها على المدى البعيد محمودة الأثر، بل هي الخيار الوحيد لأي جهة مسؤولة تسعى لتحسين حياة الناس، وتغيير واقع الوطن.
لكن الحلول الاستراتيجية وإن كانت هي المطلوبة، وهي الدور الأصيل للدولة، فهي لا تغني عن المعالجات الآنية لتخفيف الأزمات التي تضغط على حياة المواطن العادي، فلا بد للألم من مسكنات، في انتظار علاج أصل المرض.
لقد نجحت الحكومة حتى الآن في لزوم هذا المنحى في التعاطي مع الأزمات الحادة التي عرفها البلد خلال الأشهر الماضية، واستطاعت تطويق بعض الأزمات في حدود ضيقة، وبعمل استباقي متقن دون أن تغفل عن مباشرة الحلول الاستراتيجية. يذكر هنا على سبيل المثال النكبة التي حلت بمدينة سيلبابي، وما أعقبها من تدخل حكومي تضافرت فيه جميع أجهزة الدولة فطوقت التداعيات المباشرة للأزمة بشكل سريع وفعال، وتمت الاستفادة من الدرس في باقي المناطق التي كانت مهددة بكوارث جراء موسم الأمطار، فاتخذت إجراءات وقائية أدى بعضها دوره في الوقت المناسب، ومر الموسم بأقل الخسائر الممكنة.
وتم اتباع نفس المسار مع باقي الأزمات التي وقعت مثل الحادث الفاجع على طريق نواذيبو، والحريق المروع في دار النعيم. إن التدخل المباشر من طرف السلطات العليا كان دائما ناجعا، والأهم من ذلك أنه أثبت هذه الثنائية نهجا في التعاطي مع الأزمات. فالإجراءات السريعة لرفع الضرر القائم لا تغني عن العمل الاستراتيجي الذي يضع حدا لمثل هذه الحوادث في المستقبل، أو التقليل منها، وتخفيف آثارها، في حال وقعت.

*ورشات البناء الكبرى*

فتحت منذ مجيء الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني إلى سدة الحكم ما يمكن أن نسميه “ورشات البناء الكبرى”، وتلك هي التسمية يمكن أن نطلقها على العمل الإعدادي الدؤوب الذي انطلق في قاعدة الخدمات الأساسية للإنسان الموريتاني.
إن ورشة التعليم التي انطلق قطارها بالعمل على إطلاق مشروع المدرسة الجمهورية ليست مجرد “إجراء إصلاحي” في قطاع التعليم الأساسي، أو عملا تحسينيا للبنية التعليمية والتربوية القائمة، بل هي إنشاء لمدرسة وطنية قادرة على النهوض بعبء التغيير الذي ننشده
تنظر الحكومات في البلدان المتخلفة للإنسان كمستهلك، وتنظر إليه الحكومات المستنيرة في “البلدان المقبلة على التقدم”، أو “المتجهة نحو التقدم” باعتباره منتجا. وتنعكس هذه النظرة على تعاطي الحكومات مع الملفات المتعلقة بالمواطن انعكاسا جديرا بلفت الانتباه.
بناء على النظرة التي تصنف الإنسان كمستهلك فإن الاستثمار في البنية التحتية للتعليم والصحة يعد إنفاقا يجب السعي للتقليل منه، والعمل على ترشيده. وبمقتضى النظرة التي تصنف الإنسان منتجا، وثروة طبيعية، هي أهم الثروات على الإطلاق، فإن الإنفاق على تحسين صحته، وتعليمه، وتسهيل عيشه الكريم تعد استثمارا يجب أن توجه إليه الموارد، ويجب أن تتحمل في سبيله القروض المكلفة.
ومع أن الورشات التي تعمل عليها الحكومة الآن تدخل في إطار الاستثمار الاستراتيجي في الإنسان، فإنها لا تغفل الصعوبات التي يواجهها المريض، والمتعلم في البلد، ولذلك فهي تسير بإجراءات الصيانة المؤقتة، والتحسين للخدمة المقدمة في المستشفيات والمدارس جنبا إلى جنب مع استصلاح الأرضية، وحفر الأساسات للحل الاستراتيجي الذي توضع لبناته الآن، وستثمر أشجاره بفعالية ونماء خلال فترة ليست بالطويلة.

لقد فتحت ورشة الصحة والتعليم ومعالجة الغبن الاجتماعي دون صخب ولا ضجيج؛ وفي ذكرى الاستقلال أي بعد أشهر قليلة انطلق مشروع “تآزر”، وأطلقت وزارة الصحة مسطرة أعمالها الهادفة إلى تسهيل الخدمة أمام المواطن، وعكفت اللجان على عملية تحضير إطلاق السنة الدراسية ٢٠٢٠/٢٠٢١، مع عدم إغفال العمل على تنفيس المختنقات التي تعاني منها العملية التعليمية في العام الحالي.

إلى جانب هذه الورشات الكبرى نورد على سبيل التمثيل لا الحصر، اتجاه الدبلوماسية الوطنية للانتقال من مبدأ “حسن الجوار” إلى “التكامل الأخوي”، وبدأ التحرك على صعيد الدبلوماسية والإقليمية بروح جديدة تضع نصب عينها دور الفاعل في الأسرة الإقليمية من منطق المصالح الاستراتيجية لشعوب المنطقة والسلام العالمي، أكثر من النظر إلى التوافق المزاجي مع حكومة هذا البلد أو ذاك.
إن المصير المشترك لشعوب المنطقة، وتداخل موردها الطبيعية، وثقافاتها، وشعوبها اجتماعيا، يجعل وحدتها السياسية والأمنية قدرا محتوما يجب أن تسعى إليه حكوماتها بغض النظر عن التباين في أهواء وخلفيات القائمين على الأمور.
ولأول مرة تدخل الجاليات الموريتانية في الخارج في سياسات الحكومة باعتبارها رافدا دبلوماسيا واقتصاديا وتنمويا للعلاقة بين الشعب الموريتاني وشعوب المنطقة والعالم، وهي نقلة نوعية في زاوية النظر إلى المهاجر الموريتاني ستغير من رؤية هذا المهاجر لدوره، وستجعله يشعر بدفء الوطن حيث هو.

تجد هذه الاعتبارات مصداقها في الكلمات التي يلقيها رئيس الجمهورية في القمم المختلفة التي يشارك فيها، كما تعكسها بشكل واضح لا لبس فيه مواقف وزارة الخارجية الموريتانية من القضايا الإقليمية والدولية. والأمثلة يضيق عنها المقام.

*تقويم الاختلالات*

لن يكون الإصلاح أبدا مجرد عملية بناء تعد لتأسيس القادم على أسس صحيحة، ولكن الإصلاح في واحد من أهم تعريفاتها، هو رد المظالم، وإيقاف الظلم. وتتجه الذهنية التقليدية حين نطق كلمة “الظلم” إلى التعديات التي تقع في حق الأفراد، أو المجموعات ولكن الظلم مفهوم أوسع من ذلك وأشمل.
لقد انطلق مع العهد الجديد مسار من تقويم الاختلالات التي مست جوانب مهمة من الحياة الاقتصادية والاجتماعية للإنسان الموريتاني، وحرياته العامة. وهو مسار بدأ برفع المظالم عن بعض المواطنين الموريتانيين؛ أفراد ومجموعات، ولكنه استمر وتوسع مع مرور الوقت، وانعكست آثاره مباشرة على بعض المراكز الاقتصادية الحيوية، وسيكون المستقبل لصالح هذا التوسع، حتى يرسخ في ذهن المواطن، أي مواطن، أنه في مأمن من كل ظلم، ومن أي كان.
يضيق المقام عن التمثيل بالمؤسسات والأفراد، ولكن يقظة ذهن القارئ ستمده بنماذج شائعة، وسيتذكر المطلعون على ملفات بعينها اختلالات كبرى تم تصحيحها في هدوء، وعودة أمور إلى مجاريها دون ضجيج.

تحول متأن عميق وشامل

إن هذه الإجراءات التي قيم بها في هذا الوقت القياسي، وتنوع مجالاتها وتعدد ملفاتها ، مثل الإعلام، والتجارة والسياحة، والصيد، والتوجيه الإسلامي، والتعدين، تبشر بتحول اصلاحي تنموي وسياسي عميق وشامل ومتأن لا تستعجله عواطف المتحمسين ولاتعيقه هواجس المشككين

الكاتب nemaweb

nemaweb

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة