الشيخ التراد ولد العباس … شطر من مساهمة في حلقة الصالون السبت 23/01/2016

مشاهدة
أخر تحديث : الثلاثاء 19 مارس 2019 - 3:46 مساءً
الشيخ التراد ولد العباس … شطر من مساهمة في حلقة الصالون السبت 23/01/2016

قصة الديوان:
كان ذلك في مطلع الثمانينات عندما قادتني الصدفة إلى أحد المنازل في نواذيبو لقيت به أحد كبار من تصدروا على يد الشيخ سعد بوه ولد الشيخ التراد هو الشيخ سيدي محمد بن حامِلِي و معه المفوض محمد خالد بن محمد سيديا رحم الله الجميع.
ولست أذكر كيف تدرج بنا الحديث إلى موضوع ديوان الشيخ التراد ولد العباس فإذا بنا نتفق على مبدأ طباعته ونشره بالسرعة التي ناولني بها نسخة منه كانت بحوزته بخط بديع لمريد الشيخ التراد وكاتبه الشخصي سيديَّ ولد محمد جدو البوسعيدي .
من هنا كانت البداية فجاءت الطبعة الأولى من الديوان موسَّعا ما وسِعني ذلك تحت عنوان ” نيل المراد من كلام الشيخ التراد ” و كانت محلاة بترجمة قاصرة للشيخ ثم جاءت الطبعة الثانية موشاة بصورة الشيخ (الظاهرة رفقة المنشور) وصورة خليفته الشيخ سعد بوه رحمة الله عليهما.
انعقدت الألفة بيني و بين الرجل فأعجبت بمنهجه وكلفت بشعره وأحببت أبناءه وأحفاده ومريديه شيوخا ودون ذلك.
التقيت من أبنائه خليفتيْه الشيخ سعد بوه والشيخ المحفوظ في نواكشوط والشيخ سيدي محمد التاكنيتي وعقدت صلات تطورت إلى صداقات أعتز بها مع بعض أحفاده وذويه و خاصة منهم الشيخ حمَّ الرباني المربي و السياسي المحنك و القائد الفذ تغمده الله برحمته الواسعة.
كان الشيخ التراد فقيها عالما وشاعراً مطبوعاً يرسل الشعر إرسالاً دون تكلف. انحصر شعره في ثلاثة أغراض هي:
أولا: المديح النبوي،
ثانيا: التوجيه والاصلاح،
ثالثا: الابتهالات لله عز وجل.
روى مريده الشاعر سيديَّ بن محمد جدُّ أنه اجتمع ليلة في سمر مع أبو مدين بن الشيخ أحمدُّ بن اسليمان في إحدى المدن السنغالية و لا زال يحدثه عن شيخه الشيخ التراد فيذكر من رسوخ قدمه في التربية و السلوك و عن علُوِّ كعبه في المعقول و المنقول حتى إذا وصل إلى تألقه في الأدب و براعته في الشعر فاستنشده منه فأخذته نشوة و هو ينشد من بديع قصائده فلمَّا وصل إلى قصيدته المشهورة:
شمِّرْ لخدمة من خُلقتَ لخدمتهْ == فبحقهِ شمِّرْ عليكَ و عزَّتهْ
ولتجعلَنْهُ رَبْعَ عَزَّةَ فاعْـقِلن ==ولتبْكِيَنَّ بُكَا كثير عزتِهْ
فاسترسل في الإنشاد حتى وصل منها إلى قول الشيخ التراد:
كـم ضَيْغَمٍ من صَحْبِهِ مستشـهدٍ == حامي الوَغَى ثَبْتِ الجَنَانِ كحمْزَتِهْ
كـم فَائِقٍ من بينهم في نَــصْـرِهِ == يفدي النبيَّ بـمالهِ وبـمهجتِهْ
كَعَلِيِّهِ صِدِّيقِهِ فاروقِهِ == عثمانِه وزبيرِه وكطلحَتِهْ!
هنالك طرِب الشيخ أبو مدين فجلس معتدلا و هو المربِّي الحاوي ما دون مرتبة التنبِّي و العالم الفاهم و الأديب الأريب و الشاعر الماهر و قال للمريد المنشد: أشهدُ إنَّ شيخك لشاعرٌ!
و ظلت هذه التزكية المعتبرة لشعر الرجل دون سائر المجالات الأخرى التي برع فيها نكتة يتندر بها رواد الحضرة الترادية من تلامذة الشيخ و ذويه !
و ها أنا أنشر لكم القصيدة كاملة فهي من روائع الأدب :
شَمِّرْ لـخدمةِ من خُلِقْتَ لـخدْمَتِهْ == فبحَـقِّهِ شَمِّرْ عليك وعِزَّتِهْ
ولْتجعلنْهُ رَبْعَ عَزَّةَ فاعْـقِلن == ولتبْكِيَنَّ بُكَا كثير عزتِهْ
واطلبْ بِعَبْرَتِكَ الشِّفاء فإنمَا == يشْفِي الفتَى داءَ الغرامِ بِعَبْرَتِهْ
وأَزِلْ بِحَزْمِكَ كلَّ داءٍ عِلَّة == ذو الدَّاءِ يرغب في إزالة عِلَّتِهْ
واطلبْ بِهِمَّتِكَ العَلِيَّةِ رتبةً == عَلْيَا فكم سادَ الذَّكِيُّ بـهمَّتهْ
ولتستقمْ كمْ شوهِدَتْ من عبْرَةٍ == وكَمْ استقام أخُو الشُّهُودِ بِـعبْرَتِـهْ
واكْسُ الفؤادَ من التَّذَكُّرِ حُلةً == واخلعْ ثيابَ عَمَاهُ عنه وغفلتِهْ
ولْتتخِذْ حَبْراً خليلاً عارفاً == فهو الذي تُنْمَى إليه بِخُلَّتِهْ
واجعلْ إلى المولَى اشتياقَكَ لا تَكُنْ == مثل المشوقِ بـهِنْدِهِ وأُمَيْمَتِهْ
ما سَادَ باكي مقلةٍ هَطَّالةٍ == هَاجَ الغزالُ لـه الغرامَ بِمُقْلَتِهْ
صبًّا مشوقًا بالحِسَانِ مُتَيَّمًا == سكرانَ من عودٍ براحةِ قـَيْـنَـتِـهْ
بلْ إنَّما حَازَ السِّيادةَ من غَـدَا == هَيَمَانُهُ في الله طالب وَصْلَتِهْ
وادْرَأْ بغُرَّةِ طه في نَحْرِ البَلاَ == فكم انْجَلَى ليلُ البَلاَءِ بغُرَّتِهْ
ولْتَتَّبِعْ آثارَ سنةِ أحمدٍ == فالخيرُ أجمعُ في النبيِّ وسُنَّتِهْ
وهو الوسيلةُ لُذْ به واسْتَشْفِعَنْ == كم مكرمٍ بـملاذه وَوَسِيلَتِهْ
أكرمْ بِهِ وبأمةٍ مرحومةٍ == تُـنْمَى لـه أكْرِمْ به وبأُمَّتِهْ
كـم مُقْـتَـفٍ آثـارَه من عالـمٍ == علاَّمَةٍ مُـتَـفَـنِّـنٍ فـي شِرْعَتـِهْ
أو عارفٍ قد أشرقتْ أنوَارُهُ == يَسْقِي القلوبَ بوعظِه وبحكمتِهْ
كـم ضَيْغَمٍ من صَحْبِهِ مستشـهدٍ == حامي الوَغَى ثَبْتِ الجَنَانِ كحمْزَتِهْ
كـم فَائِقٍ من بينهم في نَــصْـرِهِ == يَفْدي النبيَّ بـمالهِ وبـمهجتِهْ
كَعَلِيِّهِ صِدِّيقِهِ فاروقِهِ == عثمانِه وزبيرِه وكطلحَتِهْ
كـم من فتًى أَلِفَ الصَّبَابَةَ قـاطعاً == تـهجيرُه البيدا بِنَصِّ شملتِهْ
شوقاً بخير العالمين محمدٍ == حطَّ الرِّحالَ بقبره وبِمَكَّتِهْ
أزكى الصلاةِ مع السلامِ عليه ما == شادٍ شَدَا مُتَرَنِّمًا في أَيْكَتِهْ
وعلى الصحابة كلِّهم من هاجروا == وتَحَزَّبُوا في نصره ومحبتهْ
توفي الشيخ التراد في مدينة دكار و هو عائد من الديار المقدسة بعد تأديته فريضة الحج و صادف أن كان بالمدينة الشيخ عبد الله بن الشيخ سيديَّ فأمَ الناس في الصلاة عليه .
دُفن الشيخ التراد في مقبرة بدكار فامتثل أبناؤه وصيته لهم في قصيدته الموسومة بتصفية الطريق:
و إنني أوصيكمُ أبنائي == لا تجعلوا عليَّ من بناءِ
لأنني إلى الدعاء أحوجُ == و في الدعا مغفرة و فرجُ
و قد أرخ بعضهم لوفاته فقال:
إنَّ البلاد سبحةٌ لها الترادْ == دكارُ مذ صار به الشيخ الترادْ
مجتنب المكروه و المحرَّم == في سابع العشر من المحرَّم
في سنة تاريخها” كشمسه ” == و مثلُه أنّي يُرى في جنسه!
بعد أن نهل الشيخ التراد ما شاء الله من العلوم من المَعِين الذي لا ينضب لخاله محمد المختار بن امبَالَّ رحل إلى عمِّه الشيخ سعد أبيه بن الشيخ محمد فاضل فأخذ عنه الطريقة القادرية و مكث معه أربع سنواتٍ قبل أن يتصدَّر على يديْه فيعود إلى مسقط رأسه مرورا بمنطقة الركيبة.و هنالك أنشأ حَضرتَه ثم حاضرتَه و جلس للتربية و التدريس فانتشر صيته بين الناس .
كان ميلاد الشيخ التراد بن العباس يوم الخميس27 رجب 1304 هجرية موافق 21 ابريل 1887 ميلادية في موضع من منطقة الحوض الشرقي يقع بين النعمه وولاته يُسمَّى أُرَيْ براءٍ مرققة و توفي رضي الله عنه في دكار في السنغال يوم السبت 17 محرم 1365 هجرية موافق 22 دجمبر 1945 ميلادية عن عمر يناهز 58 سنة رحمه الله رحمة واسعة.
رحم الله السلف و بارك في الخلف.

رابط مختصر