ذهب الذين يعاش في أكنافهم../د.إزيدبيه ولد محمد محمود

مشاهدة
أخر تحديث : السبت 17 نوفمبر 2018 - 11:25 مساءً
ذهب الذين  يعاش في أكنافهم../د.إزيدبيه ولد محمد محمود

هذه سانحة لمن له صلة بى، أيّا كانت، قرابة، مودة، جميل… من أجل أن يوّاسينى، ويسلينى، ويشفق لحالى… وهي سانحة كذلك لمن يعادينى، فهذه فرصته للتَشفّى، فقد رقّت طبقة الصبر عندى فتضعضعت… لقد تجلّدت كثيرا لروعات الدهر وزلازله الماضية، لأنى أُعْمل وصية أبو ذؤيب الهذلى :
وتجلّدى للشّامتين أريهم *أنّى لريب الدهر لا أتضعضع.
لكن انتقال والدنا الشيخ ولد محمد محمود ولد انداه إلى رحمة الله تعالى فاق قدرتى على التجلّد والصّبر، فانهدّ الركنُ المنيع المكين الذى كان يحمينا، “ولا بد للمصدور من نفثة” :
لَكِنَّـهـا نَفـثَـةَ مَـصــدورٍ *إِذا جاشَ لُغـامٌ مِـن نَواحيهـا عمـى
وقد ألْفيتُها – النفثة – نماذجَ على عجل من مناقبه، رحمه الله تعالى، ومكان القول فيها متسع :
وقد وجدتُ مكان القول ذا سعة* فإن وجدتَ لسانا قائلا فقل.
لقد ذهب بذهابه البِر، فقد كان براًّ بوالديه وبالأقربين، وبالناس أجمعين، فكان يوصى نفسه ويوصينا، ذكرانا وإناثا بذلك، مردِّدا فى كل مرة، لا تني له عزيمة في ذلك، ولا تفتُر له همة، ولا تفلّ له إرادة عند كل بادرة بِرٍّ :
واجبر خواطر الورى جميعا* بغير منهي ولو وضيعا.
وهذا البيت باكورة محفوظات العائلة، يردد هذا البيت على مسامعنا، وهو الشاعر المفلق، الأديب، الأريب، المبين الذى يحزُّ فى المفصل، غير أنه كان عفيف اللسان، طاهر الجنان، أذكر من أعمال بره رحمه الله تعالى أنه هو وأهله تأخروا عن العودة إلى مدينة كرو، وأطناب خيمتهم مضروبة على جنبات المعْلم المعروف ب”طلحاية أولاد خالى” الخاص به وبوالده وفصيلته من أولاد إبراهيم، أولاد خالى، على ضفاف وادى النخيل، وكنت قادما لتوى من نواكشوط، وكنت قد تعودت أن أكون بجانبه أيام الأعياد، وصادف ذلك اليوم عيد الأضحى، وأتيته كعادتى بأضحية، وكان رحمه الله تعالى يغالى فى الملبس وهو فى مُـقـتبل العمر، وحباه الله بالسعة فى المال، وورِث السّعة من أبيه، كان يهتم بالهندام مصداقا لقول ولد احمد يوره :
وحبّ بنى جاكان للزرع والأتا *وجلابة الشتاء وزيِّ المحافل
ولكنه فى النصف الثانى من عمره توشّح بوشاح الزهد، كعادة وديدن الصالحين، فبدا لى بثوب خَلِقٍ، وكنت ممن يغالى في الملابس مثله – شنشنة أعرفها من أخزم – خاصة الدراعة، فأعطيته دراعتى التى كنت أفتخر بها فلبسها، فاكتحلت عيناي برؤيته يلبسها، وكان رحمه الله تعالى وقورا، وفى اليوم الموالى من أيام التّشريق، كان يرفل فيها صديق حميم له فى جوف السوق الكبير بكرو، وآب إلى ثوبه الخَلِق، وهذه عادته – كذلك – فى الأقلام والجلود (آلواويش)، والعطور، التى كنت أهديها له فى المناسبات، وأذكر هنا أنه كان مولعا بالعطور، حتى أن عمته وعمة والدتى، رحم الله الجميع، كانت بها حساسية من العط

رابط مختصر