“دور الدولة بين الاستقلال والانتحال” د. الشيخ أحمد الجيلاني

بالنظر الى مجريات الاحداث الراهنة، تعين التخلي عن التحفظ في امكانية تأجيل الطرق بالأسئلة على العلاقة بين الدور والمركز بالنسبة للمؤسسات الرسمية حيث يرادف الدور الى حد كبير الوضع او المركز الذي يشغله صاحبه بالنسبة لغيره، سواء كان جهة اعتبارية أو غير اعتبارية، ومن ثم، فإن النسق الاجتماعي والسياسي .. بهذا المعنى؛ هو عبارة عن سلسلة من المراكز المتدرجة حسب الأدوار باعتبار الأول “الدور” شرط وجودي للثاني “المركز” مع تداخل الثقافي والنفسي في هذا، على نحو أنه مهما كان الأسلوب الثقافي للجماعة مسؤل بدرجة كبيرة عن تحديد الدور المطلوب لاستحقاق كل مركز، بحسب التوقعات المطلوبة منه ـ إذ يمثل الدور الجانب الديناميكي للمركز ـ فإن فرصة أداء الدور بطريقة أمثل، تمثل ـ عادة ـ مصدرا “للشعور بالرضى عن الذات” كأحد أركان الصحة النفسية، وهكذا، فكلما نجح الفرد أو الجهة في اداء الادوار المطلوبة منه وفق سجية الثقافة السائدة، كلما زاد تكيفه في حياته، وتراجع التعارض بين اداء أدواره ورغباتها الشخصية.
وبالنظر إلى التداخل بالتضاد أو التقابل بين بعض هذه المفاهيم، تعين استحضار بعض المداخل ذات الصلة لفك بعض الألتباسات وإزالة بعض الغموض؛ للحيلولة دون التلاعب بمصائر الناس، والتحايل على تشريط وعيهم الموضوعي بوضعيتهم في السلم الحضاري البشري، على نحو:
1ـ أن الاستقلال؛ يعني التحرر من أي سلطة خارجية، ولكن إذا كان هذا الاستقلال مشروطا، فإن هذا يعبر عنه بشبه الاستقلال، كما أنه من السهل الخلط بين استقلال الأمم، أو تحقيقها لدولها تحت إسم رمزها الدال “لغتها”على كامل حدوها الجغرافية والثقافية التاريخية، مثل استقلال “أمة فرنسا” عن الامبراطورية الرومانية المقدسة. وبين الانفصال، أو الانقسام والتجزؤ الطائفي أو الاثني ..الخ، أي أن هناك فرق كبير بين انفصال أو تجزؤ الأمم تحت عناوين الاستقلال، الذي يستوجب الخجل لذوي الضمائر الحية، باعتباره تنكرا للانتماء الطبيعي لأمة ما، بما يترتب عليه من تكريس تفكيكها من ناحية، وضياعها في الفضاءات الهوياتية النسبية من ناحية ثانية، بما يحرم كل جزء من إمكانية التعرف على ذاته من ناحية ثالثة، ومن ثم استحالة اتساق انتساب افعاله اليه من ناحية رابعة، حيث لا فاعلية بدون فعل متسق مع فاعلها.
2ـ أن الانتحال؛ عبارة عن اعطاء صفة أو شيء لشخص أو جهة ليس لها منه شيء، سواء كان ذلك الانتحال لصفة رسمية مدنية أو عسكرية دون أن تكون أهلا لها، أو تقلد وسام أو ارتداء زي، أو تصنيف تحت فئة إسمية لغرض التحايل على الآخرين أو استغفالهم في سبيل مصالح خاصة تحت ستار خادع، ولذلك فقد صنفت القوانين والأعراف المختلفة الانتحال بأنه جريمة يعاقب مرتكبها، لما يترتب عليها من عدم امكانية التشكيك في صفة المنتحل أثناء التعامل معه تحت ستار خادع، (حسب الموسوعة الحرة، ويكيبيديا).
وبما ان لكل اسم مسمى او ماهية مجردة من صفاته التي يستمد منها اسمه بحسب فاعليته، أي جدارة ادائه لوظائفه، او دوره الإلزامي، المبرر لاعتباراته الاسمية، فإن عجز القلب ـ مثلا ـ عن تنظيمه للدورة الدموية، أو الرئة للدورة الهوائية، يحيلهما الى مجرد قطع زائفة تنتحل صفة، وبما أن القاعدة الموضوعية عامة ومجردة، فإن فشل جهاز التعليم في الدولة ـ مثلا ـ عن أداء مسؤليته في رفع مستوى الكفاءات للتحرر من سيطرة قوى الطبيعة والتحكم فيها، وتشكيل الهوية والانتماء للقائمين على الاجهزة التشريعية والتنفيذية، التي تتيح ماهيتها استحقاق تسميتها، بحسب فاعليتها، يحيله الى متلازمة من العبثية المزمنة، وبالمثل؛ فإن لاستقلال الدولة؛ ماهية الشعور بالقيمة على مستوى الضمير الجمعي في نظامها ووحدتها دون تبعيتها لغيرها ـ ماهية الشعور بالوجود والجهد المركزي في تحقيق الاهداف كالراشدين ـ ماهية امكانية انتاج تنظيمها لنفسها بما يشبع حاجاتها او يحقق درجة من الاكتفاء الذاتي لها ـ ماهية الشعور بالانتماء لعناصرها البشرية والثقافية والمادية التي تمكنها من التعرف على نفسها على أنها هي وليس غيرها. وإلا فإن الاستقلال بالقياس إلى ما سبق، سيتخذ لنفسه طابع الانحلال الوجودي لِمُسمٌاه، بإحالته الى مجرد اسم “منتحل” بل ماهية رخوة يسهل اختراقها وإعادة تدويرها بصيغ مختلفة، منافية تماما لماهيته، او للصفات المصدرية لتسميته، لضمان استمرار تشييد الاوهام بامكانية تفعيل فاعليته او وجوده كأي غيبة ميتافيزيقية كبرى أم صغرى.
فهل من الاستقلال للدولة الوطنية في شيء، أن يتوقف دورها على تنظيم صلوات الاستسقاء حين تنحسر الامطار في موسمها السنوي عن التساقط، بدلا من حفر الآبار، وإقامة السدود والمصدات على مجاري الأودية، لتوفير حد أدنى من تحرير مرتهنيها من الخضوع المستمر لصدفة أو اعتباطية الطبيعة، حتى لا تبدو اللافتة التي ترفعها “الدولة” مجرد انتحال للتسول على عوز مواطنيها، حين تزيحهم الرمال أو يغطيهم الوحل، أو تبيدهم الأوبئة، وكأن الشعب مجرد أحد الأضلاع الضرورية لإمكانية التمتع باشباع غريزة ممارسة التسلط “السلطة” عليه، بصرف النظر عن التدرج العالمي للمستوى الحضاري والمعيشي له، وكأن الممثل أو الناطق باسم المعوزين لا يمت لهم بصلة، وإنما هو مجرد قنصل منتدب لجهات أخرى تفتقر للضمير الانساني.
ما يعني؛ أن ثمة خللا بنيويا لمفهوم “سلطة الدولة” كمجرد تسلط مرضي “سادي” لغزاة يستمتعون بتكريس معاناة هذا المجتمع، لتوظيف تشويهه في مزايدات التسول على علاته، والتكرم بتنظيم شعائر صلاة الغائب على رفاته بعد انقراضه من جهة، وخللا لمفهوم “الشعب” كمجرد مستمتع بخضوعه “المازوخي” لاستنقاعه في المعاناة، واكتفائه بالحصول على شرف المشاركة في عناء عرس حمل أحد “أولاد الخيمة الكبيرة” على كرسي السلطة، بطريقة لائقة في عيون من يهتم لأمرهم، دون أن يكون لهذا الشعب الحق في الاستفادة من المشاركة في تذوق كعكة ذلك العرس، بعد إعلان فوز الحائز على أكبر مظهر من الحظوة المالية المقتطعة من مستحقاته، وذلك بعامل التشريط الكلاسيكي لاتجاهات المحرومين، والمؤسسة على وهم التماهي مع نقيضهم الثري، أو التوحد معه، ولو من باب التصويت له، بدلا من مناصرة من يشاطرهم وضعيتهم، هربا ممن يذكرهم بحجم معاناتهم، للتردي في دوامة استمتاع الأجرب بالحكاك الذي يعمق باستمرار ندوبه.

القادم بوست

أليس لدى الحكومة ؛ ماهو أهم من مشاكل الحزب الحاكم ؟!

الجمعة أغسطس 30 , 2019
يحاول العديد […]
Wasseem