ألا_أطحين ،/ شرطتنا وشرطتهم (3)

مشاهدة
أخر تحديث : الأحد 12 مايو 2019 - 2:50 صباحًا
ألا_أطحين ،/ شرطتنا وشرطتهم (3)

سأعتذرُ من الأخ الكريم الطّيب ولد بَيْهيم عن عدم استعدادي لمتابعة الرحلة معه في هذا الحلقة على أن ألحقَ به إن شاء الله في الحلقة المقبلة.

ذلك لأني مُضطرٌ للقيام ببعض الترتيبات التي قد تكون ضروريةً لضمان سلامة الرحلة، ولا شك أنه عَاذِري في ذلك وهو من عوَّدني على ألَّا يرد لي طلبا…

ومن تلك الترتيبات مثلا أنى وجدتُ في نفسى حاجةً للعودة قليلا إلى الوراء حتى أنظر فيما كتبتُ في الحلقات الماضية خشيةَ أن يكون لساني قد سبقني إلى شيء لم أُرِدهُ او أن أكونَ قد اسأت القول إلى أحد بعينه عن غير قصد..

واذا كان ذلك كذلك في اعتقادِ أيٍّ كان، فهذى فُرصتي لأعتذر من قريب إلى كل الاخوة الغيورين على قِيَمِ المجتمع البيظاني وشهامته.

كما أنها فرصتي لأعتذر اعتذارا مضاعفا لكل أبناء الجالية الأمريكية قديما وحديثا حيثما حلُّوا او ارتحلوا.

على أنِّى باعتذاري لهؤلاء وألائك لا ولن أنسى نصيبي من الإعتذار لنفسي عن نفسى لأني لستُ مستعدا للتنازل عن نصيبي من إرث ذلك المجتمع البيظاني.

ف”بيظانيتي” لمَّا تتهالكْ بعدُ بالتقادم.

كما أني لستُ مستعدا للتنازل عن نصيبي من إرث تلك الجالية لأن أهلَ تلك الجالية بالنسبة لي هُمُ الأهلُ ما لِي دونهم أهلُونَ ولو خذلوني بما أَذعتُ من مستودع سرّي وسرّهم..

وبودى لو نبهتُ هنا إلى ملاحظة في غاية الأهمية راجيا أن تبقى في ذهن مُتَتَبِّعِي هذه الرحلة، وهي أنى لا أبرئ نفسى من أن أكون قد كنتُ شريكا أو متمالئا أو ناصحا ومُشيرا بالإقدام على مثل هذه الأفعال…

ولا أنا بِمُبَرِّئِها من أنْ أكون قد كنتُ الفاعلَ ومن نابَ عنهُ واسمَ الفاعلِ وحرفَ عِلَّةِ أيِّ فعلٍ خدَشتْ علتُه من كرامة البيظان في تلك الجالية.

فمسؤوليةُ الأخطاء أتحمل جُزْءَها الأوفرَ وما حملني على تعْرِيَّتِها اليوم إلا رغبةٌ ملحةٌ في التوبة منها كما أنى بتعريتها اليوم وفضح مستورها أكون قد تحررتُ من عبء جِناية السكوت علي باطلٍ عشتُ أسيره زمنا طويلا.

والأهمُّ من كل ذلك أنى بِتَعْرِيَتها قد أُساعدُ في إنارة درب شباب أمَّتىِ من المهاجرين حتى لا يقعوا في نفس الأخطاء التي وقعتُ أنا وجيلي من المهاجرين فيها..

ولكن دعوني قبل استخراج مكنون تلك الأخطاء أُخبركم خبرا مؤلما عن حقيقة ذلك التَّابُو المقدس في أذهاننا والذي نسميه “البيظان” او “البظاني”.

عاش رجال البيظان حتى ثمانينيات القرن الماضي لا يُريدون علوا في الأرض ولا فساداً.
يقنعون من رَضَفَةِ رِزقِهم بما عليها.
يَبيتُون على الخصاصة والطوى ليؤثروا غيرهم.
ولا يلجؤون في طلبهم إلا إلى الله سبحانه وتعالى

فاستمع معي إلى هذا الدعاء حفظتُه – حفظك الله – عن أحد أشياخي من “البيظان” سيدي ولد أكَّ رحمه الله:
عَبْدَكْ مِسْكِينْ @ لِاجِئْ لِكْ حَكْ
طِيهْ التَّمْكِينْ @ اوْ شِ يَنْدَكْ
وَاصْلَاحْ الدِّينْ @ اوْ حَدْ ايْدَكْ…

كلماتٌ قليلةٌ وبسيطة جدا لكنها على قلتها وبساطتها استطاعت أن تختصر لك حقيقة الرجل البيظانيِ المِثَالِ الذى لا حاجة له عند غير الله.

والذى إذا أراد من الله طلبا استحى ان يطلب منه أكثر من قوته اليومي أومَن يساعده على إ صلاح ذلك القوت، فإذا حصل على قوته خاف على نفسه من الفتنة فتضرَّع إلى الله أن يُصلح دينه…

كان هذا الرجل مثالا عندما كان “البيظانُ” “بيظانا” يرون صلاح دنياهم في الحصول على قوتهم اليومي وصلاح آخِرَتهم في إصلاح دينهم.

لكن هذا الرجل وأمثاله قد بدأوا ينقرضون شيئا فشيئا وقد إنتبه إلى ذلك قاضى القضاة الشيخ محمد يسلم ولد الدمين، في قصيدته التي يبكي فيها أيامَ أولائك الرجال مُشيراً إلى إندثارهم ليتركوا مكانهم لجيل من اللصوص قائلا:

أُلائكَ أيامٌ مضتْ برجالهَا .. فَكَارِشَ ليستْ بعدَهَا من فكَارِشِ
فَعِيضُوا كَبَيَّاتٍ يُرَابُونَ أَبْنُكاً ..صَرَارٍيكً جَابُو الْفَحْشَ مِنْ كُلِّ فَاحِشِ
فكانوُ لجمع المال حُبّاً لذاتِه .. يَداً واحداً مَا بين مُربٍ ونَاكِشِ

وإنما ظهر فسادُ هؤلاء الكَبَيَّاتِ، إخوانِ الفُحْشِ “الصَّرَارِيكِ” في برِّ البيظان وبحرِهم مع بداية ثمانينيات القرن الماضي عندما امتدت أيادي المسؤولين إلى المال العام في غياب أيِّ قوةٍ رادعةٍ وانْعِدامِ أي وازع ديني، وعندما رخَّصَ العلماءُ لأنفسهم ولغيرهم في مُراباة البنوك وخطف أموالها دون محاسبة.

فعهدُك بالرجل يُعيَّنُ اليوم في وظيفةٍ وهو لا يملكُ قوتَ يومه ثم تراهُ بعد سنة يملك الدور والقصور والأنعام والأغنام وأنت تعرف وهو يعرفُ وذئابُ شرقيِّ وَلاَتَه تعرفُ، أنه لو أحْصَن راتبه سبع سنين دأباً إلا قليلا مما يأكل لما وصل به إلى ثَمَن إحدى تلك الدور.

ويأتيك من يستقرضُك المساعدة في شراء تذكرة يطيرُ بها إلى إفريقيا أو الخليج أو آمريكا ثم يعود عليك بعد سنة يقود سيارة لو اجتمع إنسُ بلاده وجنُّهم وجَمَّعُوا حلالَ كسبهم سنةً كاملةً لما استطاعوا شراء مثلها.

إنما ابتُلِينا بأَفعال هؤلاء فاستأْسدَ االجشعُ فينا فطغا على نفوس الأجيال الصاعدة وأصبح جمعُ المال وتكديسُه بأي وسيلة مطلب الناشئة وأستشرى داؤُه حتى سَرَتْ عدواهُ إلى أطفالنا.

ففي صيف 2013 توقفتُ ليلا في طريقي إلى كيفه عند آخر محطة بنزين في كرو فلمحتُ مجموعة من الصبيان يتحلقون تحت أحد أعمدة الكهرباء على قارعة الطريق فظننتُ أنهم يَتَبَارون في حفظ كتاب الله أو رسم كلماته فدلفتُ من السيارة بدافع من الحننين إلى استراق السمع.

لكنهم خيبوا ظنى فما وجدتُ فيهم إلا مشاريعَ “كَبَيَّاتٍ” يتحدثون عن منْ حصل على تأْشيرة انغولا في هذه السنة ومن قفل منها
ومن شحن من دبي
ومن شحن إليها.

ولا اعتقد أن القصة التى أحكيها اليوم عنى وعن غيرى من أفراد جاليتى العزيزة في آمريكا إلا قصةً لشباب وكهول جاءوا حينها يحملون معهم صورة مكبرة من أحلام هؤلاء الأطفال في كرو.

وقبل أن أعود إلى متابعة رحلتى، أُشيرُ مرة أُخرى إلى حسن نيتي من وراء قصدى كما أشير إلى استعدادى للرجوع عن الخطإ وتصليحه إن أنا أخطأتُ وصدرى سيكون رحبا بإذن الله لكل من أراد بي حسابا فلا تُقِلُّوا عليَّ لوْماَ ولا عتابا… ولكن قولوا، إن أصبتُ، لقد أصابا..

كان السيد الطيب ولد بيهيم مدَّ الله في عمره يمتلك سيارة من سيارات “باشمان” وكان قد علم انى جئتُ أحمل معى بقية زاد مُسافر فعرض علي ان أشترك معه في تجارة الحليب هو بسيارته وأنا بذلك المبلغ، فرضيتُ…
……. يتواصلُ

من صفحة الكاتب على الفيسبوك.

رابط مختصر