صورة موريتانيا بأعين الفرنسيين والمتقاعدين

مشاهدة
أخر تحديث : الأربعاء 10 أبريل 2019 - 12:26 مساءً
صورة موريتانيا بأعين الفرنسيين والمتقاعدين

منذ عهد ليس بالقريب اعتبر عدد كبير من المتقاعدين الفرنسيين التراب الموريتاني أرضا للاستجمام وقضاء الزمن الثالث من العمر في رحاب بلدنا الحبيب، الذي عرف فترة الحماية الفرنسية .

فهذا المتقاعد الأجنبي خاصة الفرنسي يرى في موريتانيا متنفسا كبيرا له؛ فمن وجهة مادية: يمكن للمتقاعد الأجنبي، ولو من ذوي الدخل المحدود، أن يعيش في مستوى جيد في موريتانيا بالنظر لوفرة معاشه مقارنة بنظرائه من موريتانيا.

ومن وجهة معنوية: لا ريب أن المتقاعد الفرنسي يرى في موريتانيا استمرارا للثقافة الفرنسية التي تشبع بها المجتمع الموريتاني، بالنظر لمستوى فرنسة الشارع التي تجعل سلاسة الانتقال من العيش بالمدن الفرنسية إلى المدن الموريتانية أمرا سهلا ويسيرا لهذه الفئات الوافدة إليها.

وفي مقابل أريحية المتقاعد الأجنبي الذي قد يبحث عن وجهات أخرى للعيش، يظل المتقاعد الموريتاني في دائرة التهميش، حيث يسعى كل فرد لرسم مساره الخاص بعد ما قضى عمره في الكد والعمل، من وجهة شخصية من أجل أفراد أسرته ومن وجهة مهنية من اجل بلده وإدارته؛ إذ يسعى المتقاعد المنهك ماديا ومعنويا لنسج علاقات أخوية مع أقرانه المتقاعدين في شكل مجموعات تحاول التغاضي عن مشاكلها اليومية بما يسمح لهم المناخ المحيط بهم. وفي هذا السياق أيضا تجتمع للمتقاعد الموريتاني، مشاكل مادية ومعنوية تجعله في وضعية المحارب المنهك المجبر على القتال. فمن الناحية المادية، توجد في موريتانيا مجموعة كبيرة من المتقاعدين مجبرة على الخروج للعمل لتغطية النقص المادي الذي لا يمكن لتعويضات التقاعد أن تغطيه، مما يجعله يبحث عن سبل خلق أنشطة أخرى مدرة للدخل؛ إما كبائع متجول أو كبائع لرصيد الهواتف النقالة أو سائق أجرة أو كحارس سيارات وأحيانا اللجوء للتسول في الشوارع والأزقة .

أما من الناحية المعنوية: فالفئات المسنة تعيش وضعية خاصة تحتاج للرعاية ، لا أن تترك في مواجهة الصعوبات الصحية والنفسية المحيطة بها من كل جانب

وبشكل فردي، فهي كثيرا ما تبحث عن الاندماج في المجتمع النشط ، وليس ذلك بالأمر السلس ، بل إنها لا تجد إليه سبيلا.

وإذا كانت موريتانيا قد استلهمت بناء مؤسساتها الكبرى من النموذج الفرنسي بمختلف درجاتها الحكومية والقطاعية والتنظيمات المدنية؛فإن المؤسسات التي تعنى بفئة المتقاعدين عندنا لا تأخذ بعين الاعتبار الأوضاع المزرية التي يعيشها من بنوا بسواعدهم وبأفكارهم هذا الوطن ، وأعني بذلك طبعا من أفنوا شبابهم وسخروا قدراتهم لبلد ، لا يحسن اليوم الاستماع لظروفهم القاسية.

فواقع الأمر في موريتانيا ،أصبح ملاحقا بعدة مشاكل تتداخل فيها الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية وتتعدد نتائجها على المستويات الفردية والجماعية لهذه الفئة.

ولا شك أن ذلك يدعونا اليوم إلى فتح نقاش جاد حول وضعية هذه الفئة التي يحيل واقعها إلى صعوبات مالية ومعنوية عميقة مرتبطة بالحالة النفسية التي يعيشونها والمقترنة في كثير من الأحيان بمعانقة زخم من الأمراض خاصة منها تلك المزمنة التي تصاحبهم خلال ما تبقى من عمرهم.

وفي هذا السياق ، لابد من تعزيز العناية بهذه الفئة وذلك بتعميق البحث والتمحيص في آثار كل إصلاح على مستوى معاشها ، خاصة في ظل الارتفاع المتزايد للأسعار التي تعم مختلف المواد الاستهلاكية الضرورية، باعتبارها مشاكل حقيقية تهدد النخبة المتقاعدة أو التي في طريقها للتقاعد.

وعليه، لابد من العمل على محو ما ترسخ في ذهن المتقاعد الموريتاني من كونه انتقل من وضعية الشخص المنتج الذي تبسط له كل الأيادي خلال الفترة المهنية إلى شخص يعيش الإهمال والنسيان حينما يصير فردا مسنا وغير منتج خلال مرحلة التقاعد. فهذه المقاربة من شأنها تعميق جراح هذه الفئات وإضعاف منطق الانتماء إلى الوطن، ؛ وكأن موريتانيا تنتفض من حقوق مواطنيها بينما تمد يدها للمتقاعد الأجنبي ليعيش في أريحية يفتقدها قرينه على أديم أرضه موريتانيا.
بقلم / محمد عبد الله بينا

رابط مختصر